Tidus
09-06-2005, 01:13 PM
المنظمات السرية , الاغتيالات الدنيئة , الجماعات المناهضة للحكومة , تورط رجال الأمن بما هم مسئولون بمحاربته , حروب الشوارع , قتل الأخوة والأقرباء , تهميش الذات من أجل المؤسسة , الالتزام الغير مشروط , السيطرة , الغضب الأعمى , عدم الغفران , الانتقام المخيف , القتل الشامل , قبلة الموت ..... تبدو جميع الجمل السابقة مرعبة ومخيفة وتجعل الإنسان السوي العادي ترتعد فرائصه كما لو أنه يرى وحشا كاسرا أمامه يتحين الانقضاض عليه .... ولكن ماذا لو أضفنا عليها هذه الجمل الأخرى ..... الوفاء , الشرف , العزة , الكرامة , المحافظة على مركز العائلة , المركز المرموق والمكانة الاجتماعية الرفيعة , الشجاعة , الهيبة , الاحترام من الجميع , الأمر والنهي على الجميع , تسيير الجميع تحت تصرفك ..... يا لها من كلمات براقة وجميلة ولكن كيف تجتمع جمل القمع الأولى مع جمل الثانية والتي تمثل ( الحلم للإنسان العادي ) , بكل اختصار الجامع بينهما هي كلمة واحدة فقط هي ( المافيا) .
لم يتجرأ أحد على مجابهة رجال المافيا أو محاولة التصدي لهم حتى الحكومات نفسها لم تستطع ذلك , وذلك لأنها تملك العديد من القوانين الموجودة لدى الحكومات الأمر الذي أبقاها سنين عديدة مقاومة لتغيرات الزمان والمكان و القوى البشرية فتنقلت ما بين ايطاليا و أمريكا بدون أن يوقفها أحد ...... لا الحكومة الإيطالية أو الحكومة الأمريكية مما جعلها أحد أعتى المنظمات السرية التي واجهها العالم , ومما جعل امر اختراق هذه المنظمات أمرا مستحيلا هو الغموض و تكتم أفرادها عليها وعلى قوانينها الأمر الذي جعل اقتحام عالمها أمر مثيرا ومشوقا ومخيف بنفس الوقت . وكما هو حال السينما في محاولة تقصي الأمور الخفية والتي لا يطلع عليها العامة من الناس في وسائل الأعلام المقروءة والمسموعة - الأمر الذي يجعلها فنا عظيما - حاولت الاختلاس إلى عالم المافيا منذ أيام الاستديو - تقريبا في الثلاثينات - من خلال أفلام لم يكن لها نجاح كبير كان من بينها فيلم اسمه ( الوجه ذو الندبة ) والذي أعاد أحياءه آل باتشينو تمثيلا مع ألوفير ستون كتابة و براين دي بالما اخراجا وجاءت محاولات باهتة أظهرت أن رجال المافيا لا هم لهم سوى القتل والتلاعب بالأموال ولم تكن بالمستوى الذي يريده الجمهور كان هذا الأمر حتى سقوط نظام الاستديو وظهور سينما المؤلف في السينما الأمريكية ونقلت ايطاليا العديد من نجومها الكبار إلى أمريكا - أرض الفرص في ذاك الوقت - وكان من أولئك العباقرة رجل يقال له فرانسيس فورد كوبولا . في ذلك الحين كان هناك رواية عظيمة تتكلم عن المافيا وأسرارهم العجيبة من تأليف كاتب مغمور في ذلك الوقت اسمه ماريو بوزو و كانت قد حققت نجاح هائل سواء من ثناء نقاد أو من ناحية المبيعات الهائلة , من هذين الرجلين تحققت المعجزة , وصنع أفضل فيلم يتكلم عن عالم المافيا والمنظمات السرية بطريقة عقلانية ..... هو فيلم ( العراب ) كما هو اسم الرواية و كانت سنة إنتاجه في عام 1972 للميلاد .
البداية ... خوف وتردد
كانت شركة بارامونت التي اشترت حقوق رواية العراب من أجل تحويلها الى فيلم ترتعد فرائصها من فشل ذريع سواء على الصعيد النقدي والفني أو فشل تجاري مؤكد , إذ لم يحاول أحد من قبل اقتحام عالم المافيا إلا وفشل بذلك و لم يحقق غايته . إن شراء بارامونت لحقوق رواية العراب و التي حققت رواجا كبيرا في ذلك الوقت تطمع بأن يخرج الفيلم مخرج من أكابر المخرجين الموجودين في هوليوود , و لكن من المخرج الغبي الذي يمكن يضحي بتاريخه الفني من أجل رواية كتب لها الحظ ونجحت , بالتأكيد لن يفعلها شخص عاقل و يهتم بسمعته الفنية . في ذلك الوقت وعندما كانت بارامونت تتلقى الرفض من العديد من المخرجين على عملهم الجديد على سبيل المثال ( المخرج الإيطالي الشهير سيرجيو ليوني ) . كان هناك مخرج إيطالي , من أولئك الطليان القادمين من بقعة العباقرة ( إيطاليا ) , مخرج مغمور ليس معروف ... إنه فرانسيس فورد كوبولا .
عندما كلمت الشركة كوبولا كانت تتمنى أن يرفض إخراج الفيلم حتى يتسنى لهم البحث أو ربما يأتيهم مخرج له وزنه وثقله في هوليوود ولكن فرانسيس المغرق بالديون من أخمص قدميه و حتى رأسه وافق على إخراج العمل ليس لأنه مقتنع به ولكن لأنه مجبور عليه وقد كان الأمر صعب جدا عليه خاصة أنه تلقى العديد من التهديدات من قبل رئيس الشركة ستانلي جيف بأن أي خطأ منه سيعرضه إلى الطرد ومن ثم حرمانه من الإخراج إلى الأبد . من الأفعال الحسنة التي فعلها كوبولا بالفيلم هو استبدال كلمة العصابة بالعائلة , الأمر الذي ضرب ضربته في الفيلم . من الأمور التي زادت من حنق ستانلي على كوبولا هو طلب الأخير و إصراره بأن يقوم بدور البطولة الممثل العالمي والحائز على جائزة الأوسكار مارلون براندو , فمن ناحية كان صعبا جدا أن يجعلون ممثلا كبيرا كـ براندو يقوم بدور البطولة والتضحية بتاريخه الفني ومن ناحية أخرى لم يكن جيف يريد براندو بالأساس في الفيلم . ولكن إصرار كوبولا الشديد جعله يوافق بشرط أنه إذا أخطأ هو أو براندو فسيطرد هما سويا . مارلون براندو وافق على الدور الذي رفضه العديد من الممثلين الكبار والذين عرض عليهم قبله منهم على سبيل المثال ( الممثل البريطاني الشهير لورانس أوليفير ) . موافقة براندو هي ضربة قوية في مستقبل الفيلم والذي كان مهددا وبشكل كبير , نجم كبير مثل براندو لا يأتي على دور مثل دوره في الفيلم وهو يعرف أن الفيلم سيخسر ( ممثلين كـ براندو يملكون حاسة سادسة في اقتناص الأدوار التي توصلهم إلى الشهرة ويعرفون كيف يغتنمون هذه الفرص جيدا ) . كان اختيار المخرج و الممثل الرئيسي هي أصعب مهمة في اختيار الطاقم وبعد أن توفرا الشخصين الملائمين , كان لزاما عليهم المضي بالبحث في اختيار بقية طاقم العمل من ممثلين ومنفذين الأزياء والديكور والموسيقى حتى اكتمل الطاقم المناسب والذي أطلق عليه فيما بعد وبعد عشرات السنين لقب ( أفضل طاقم عمل في تاريخ الأفلام )
الجزء الأول : - تحول في تاريخ السينما .. الأمريكية.
السحر الموجود في العراب هو سحر مبين وواضح ولكنك عندما تحاول اكتشافه واستخراجه فأنه يتلاشى من أمامك كالسراب . هو أمر يكمن به لا نراه ولا نسمعه ولكننا بالتأكيد نحس به , شعور يدغدغ مشاعرنا خفية ويلامس أشياء موجودة لدينا في الواقع لم نكن نعرف كيفية وقوعها أو طريقة حدوثها ولكنها تحصل و نحن نعرف ذلك دون أن نعترف بذلك لبعضنا البعض. من الأخطاء الموجودة لدينا هو أننا نشاهد فيلم العراب على أساس أنه فيلم عصابات بحت , فيلم العراب في الحقيقة أكبر من أن يكون فيلم عصابات هو يتكلم عن عالم لا يحكمه إلا العصابات تختلف تسمياتها من قطر إلى قطر فمن الرأسمالية إلى الشيوعية ومن مجلس الأمة إلى مجلس الشعب ومن حكم ملكي وراثي إلى أكذوبة انتخابات , إذا رأينا الفيلم من هذه الناحية سنرى أن الفيلم تعدى الآفاق و حلق بأجنحة شاعرية سوداوية حول العالم ولم يقبع في حي قذر في أحد الأحياء الإيطالية في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية . هذا ما أراده كوبولا عندما طلب من شركة بارامونت زيادة الميزانية لتصل إلى ستة ملايين دولار من أجل تحويل الفيلم إلى عصر الأربعينات ويكون الفيلم أقل شعبية بدلا من أن يكون أكثر شعبية في وقت السبعينات .
كوبولا وفي أول أفلامه المهمة يقوم برسم العائلة الإيطالية المثالية أو التي يجب أن تكون عليه العائلات من الاهتمام بالعائلة قبل الذات والاهتمام بالمجوعة قبل الفرد وهو بهذه الطريقة يقدم ضربة قوية بوجه العائلة الأمريكية والتي دائما ما تكون متفككة من الداخل . هذه الصورة الجميلة والتي تعلق في مكتب رئيس العائلة يوضع خلفها خزينة مليئة بالأسرار المخيفة من جرائم قتل واغتيالات وحروب شوارع واستيلاء على أملاك الغير , هذه الصورة الجميلة التقطت في حفلة زواج حضره العديد من كبار الرجال ونخبة المجتمع وهي تمثل عائلة .... ( آل كورليون ) .
الحفلة هي زواج ابنة الدون فيتو كورليون ( مارلون براندو ) المدللة كوني ( تاليا شير) من كارلو ( جياني روسو ) . في هذه الحفلة والتي استغرقت تقريبا ثلث ساعة تقريبا قام كوبولا بشكل احترافي بتقديمنا إلى الشخصيات الرئيسة والثانوية في الفيلم . فمن محامي العائلة اللبق توم هايغن ( روبرت دوفال ) إلى ابن الدون البكر المتعجرف والمتهور بتصرفاته وأفعاله سانتينو ( جيمس كان ) ومن زوجة الدون البشوشة و باسمة المحيا والمطيعة زوجها فيما يقول ويفعل إلى ضيوف الدون في حفلة زواج ابنته وحتى رجال الـ FBI الذين أتوا للحفلة من اجل تسجيل أرقام السيارات الموجودة في الحفلة لمراقبتها في ما بعد , يعلق سانتينو على ما يفعلونه ( اللعنة على رجال المباحث , لا يحترمون شيئا ) , ومن ابن الدون الأوسط فريدو ( جون كازال ) ضعيف الشخصية والذي كان سكران في تلك الحفلة إلى ابن الدون الأصغر مايكل ( آل باتشينو ) المبتعد عن أعمال عائلته الإجرامية والسيئة مصطحبا معه صديقته الأمريكية كاي ( دايان كيتون ) وانتهاءاً بالدون نفسه فيتو كورليون .
يبتدأ الفيلم بمقولة ( أنا أؤمن بأمريكا ) ويا لها من بداية . يقولها بوناسيرا ( سلفاتيور كوريستو ) الذي يعمل كـ حانوتي يجهز التوابيت للموتى , يستطرد بوناسيرا كلامه عارضا مشكلته أمام الدون كورليون الذي يجلس مرتاحا خلف مكتبه ويحمل في حضنه قطة يداعبها في منظر يوحي بالهيبة والإجلال . مشكلة بوناسيرا أن ابنته الوحيدة استدرجها شاب طائش وراودها عن نفسها ولكنها عندما رفضت ضربها ضربا مبرحا دخلت على أثره المستشفى , ( كأي مواطن صالح ذهبت إلى الشرطة لتقديم شكوى ضد الشاب ) وبالطبع مشكلته لم تحل لأن المحكمة أمرت بسجن الشاب مع صديقه الذي ساعده في ضرب الفتاة مع وقف التنفيذ , لذا خرج الشاب مع زميله وابتسامة كبيرة مرتسمة على محياهما . الدون الذي لم تظهر منه أي مشاعر إنسانية حول هذه القصة المؤلمة بطريقة ترينا كم هو قاسي هذا الرجل في عمله , لا يرحم الذين يطلبون المساعدة منه , يذلهم , يجعلهم يشعرونه بأنهم بحاجة له , بأنه عرابهم , يفاجأ بوناسيرا بسؤال لم يتوقعه الأخير و لا المشاهدين! ( لماذا ذهبت إلى الشرطة بالأول ؟ لماذا لم تأتي إلى بالبداية ) فعلا هو حكومة لوحده , يصدر الحكم بالقتل و هو يحتفل بزواج ابنته , يرفض الدون مساعدته ولكن يصر بوناسيرا عليه ويهينه بغير قصد بمحاولة إغراءه بالمال فينهض الدون ويعطي بوناسيرا ظهره ويقول الجملة الشهيرة ( بوناسيرا ... بوناسيرا , ما الذي فعلته ليجعلك تعاملني بقلة احترام هكذا ؟.. إن كنت قدمت لي بصداقة، فهذا الوغد سينال عقابه هذا اليوم، و إن شخص شريف مثلك عندما يكون لديه أعداء... سيكونون أعدائي أيضا ، وعندها سيخافونك ) , يقبل بوناسيرا بأن يكون صديقا للدون وأن يكون عليه دين له يجب أن يدفعه له متى ما طلب الدون منه ذلك ويقبل يده و يناديه بـ ( العراب ) , بعد موافقة الدون على العملية يوصي محامي العائلة توم هايغين بأن يمنح هذه المهمة لــ كليمينزا ( ريتشارد كاستيلانو ) . بـ ستة دقائق فقط , من الجمال التصويري , من الأداء السهل الممتنع , من الإخراج المميز ومن الحوار العميق الدقيق يقدم لنا كوبولا لمحة ... مجرد لمحة عن طريقة تنفيذ وتقبل أو رفض المهمات من قبل زعماء المافيا . هذا المشهد يعد من أكثر المشاهد الافتتاحيات عمقا و جمالا .
النجم الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل مرتين ( أحداهما كانت على هذا الفيلم , ولكنه رفضها بإرسال ممثلة غير معروفة على أنها هندية وتكلمت باسم براندو بأنه يرفض الجائزة من أجل أن أمريكا وهوليوود يسيئان للهنود الحمر ) مارلون براندو قدم وبكل بساطة أعظم أدواره في تاريخ مشواره الفني الحافل بالإنجازات والروائع , رغم قصر دوره بالفيلم ( نصف ساعة تقريبا من ثلاث ساعات ) إلا أنك تحس بوجوده في كل مشاهد الفيلم وتحس بسيطرته على عائلته وحمايته لهم حتى وهو مريض . دوره تقريبا - في قوته وسيطرته على أجواء الفيلم - مشابه لدوره الآخر في الفيلم العظيم والغير مقدر ( القيامة الآن ) - والعجيب أن مخرج كلا الفيلمان هو فرانسيس فورد كوبولا - كما هنالك أيضا دور مشابه له هو دور الممثل البريطاني الشهير أنتوني هوبكنز في تحفته الخالدة ( صمت الحملان ) . مارلون براندو قدم شخصية رجل العصابة والقائد الذكي بكل تفاني وثقة بالنفس , ربما ثقة لا يملكها جميع الممثلين العاملين بـ هوليوود , ثقته تتمحور حول استطاعته تقمص شخصية رجل في السبعينات من عمره يملك الكثير من الذكاء والحنكة والقسوة وبنفس الوقت الحب والاحترام والتفاني في خدمة عائلته وحماية أولاده , تبدو هذه الصفات ليست بالصعبة خاصة على ممثل بحجم براندو ... ولكن لنعي بأن عمر مارلون براندو في ذلك الوقت لايتعدى الأربعينات , هنا يكمن التحدي , هنا يكمن بعد النظر في الممثل , هنا يميز المبدع من المزيف , هنا تكمن عبقرية التمثيل في نجم بحجم براندو . براندو أقدم على محاولة في تعزيز قوة وهيمنة مدرسته الأسلوبية - التي ابتدأها برائعته ( عربة اسمها الرغبة ) - ألا وهي تغيير وجهه ليبدو كـ كلب ( البول دوغ ) بإضافة القطن على جانبي فكيه , وقام كذلك بحشو ملابسه من الداخل من جهة بطنه ليبدو سمينا , لم يتوقف براندو عند هذا الحد بل زاد على ذلك تغيير صوته إلى صوت هادئ أجش تبدو الثقة والهيبة على ناطقه . مارلون براندو يعرف وهو النجم الشهير العظيم أن هذا الدور الصغير نسبيا والسيئ السمعة سيقدم له الكثير , ربما أكثر مما فعله بحياته كلها , هنا تكمن العبقرية والممثل المبدع من المزيف . شخصية الدون فيتو كورليون أصبحت مثالا على رئيس العصابة والعراب في المافيا , أصبحت قدوة يقلدها الصغير قبل الكبير بأفعالها , بأقوالها , بتفكيرها المنطقي , حتى بطريقة كلامها الهادئة والواثقة , أنها أسطورة من توقيع النجم الراحل مارلون براندو .
يدخل في عالم العصابات رجل اسمه سولوزو ويلقب بـ ( التركي )( إل تيري ) تاجر مخدرات , يجيد استخدام السكين , يحتاج إلى من يحميه من الشرطة ليشتد عوده ويقيم تجارته في نيويورك , ومن أين له حماية من غير الدون كورليون الذي يسيطر على القضاة والشرطة في نيويورك ويوفرها لمن يريد ويمنعها عمن يريد . محامي العائلة المتسرع دائما في آرائه والبعيد عن الدموية توم هايغين وابن الدون البكر سانتينو كانا متحمسين جدا لعرض سولوزو , إذ أن المخدرات بها الربح السريع والنعيم الدائم , ولكن الدون بحنكته وخبرته عرف إن المخدرات ستدمر عائلته , ربما ليس الآن ولكن بعد عشر سنين , وهذه رسالة عظيمة من العراب لجميع العصابات التي تتعامل بالمخدرات بأنهم لا يقتلون إلا أولادهم ولا يربحون إلا حسرة وندما وحربا وتشتت ودمار لهم ولغيرهم . الدون رفض العرض بحجة أنه لن يكون له أصدقاء إذا قام بالمتاجرة بالمخدرات , لم يكن هذا السبب ليقنع التركي الذي كانت تحميه عائلات نيويورك الخمسة باستثناء عائلة كورليون , لذلك قرر تصفية الدون من أجل أن يعقد صفقة سانتينو ابنه الذي كان متحمسا للعرض , كان ذلك بالاتفاق مع سائق الدون الجشع والذي ادعى المرض الأمر الذي انطلى على ابن الدون الغبي الأوسط فريدو فكانت النتيجة , خمسة طلقات نارية بظهر الدون دون أن يحرك ابنه شيئا في مشهد مخزي ومحزن للغاية . الدون لم يمت بطريقة عجيبة للغاية , ولكنه أصيب بجروح خطيرة نوم على أثرها بالمستشفى , ابنه الأصغر مايكل كان يتسكع مع صديقته كاي عندما تلقى الخبر الموجع رجع للبيت وهموم الدنيا كلها على رأسه , في ذلك المشهد نرى أهمية الدون فيتو بالنسبة لأولاده وعائلته , نرى أهمية بقائه حيا لهم . عندها يقوم مايكل بالولوج إلى عالم العصابات الذي كان يرفضه من عائلته ( تلك هي عائلتي كاي , أنا مختلف ) . يتأكد دخوله بعد أن يقوم شرطي ماكلوسكي ( ستارلينغ هايدين ) قام سولوزو برشوته بضربه على فكه عندما كان يحرس أبيه بالمستشفى وذلك عندما أخلى الشرطي جميع الحرس ليتأكد من عدم وجود شهود على موت الدون .
هنالك مشهد رائع يمثل نقطة التحول في شخصية مايكل كورليون وذلك بعد أن قام الشرطي بلكمه على فمه , وبعد تلك الحادثة بيوم يقوم التركي بكل وقاحة مع حارسه الشخصي الشرطي بدعوة مايكل للتفاهم معهم حول المشكلة الحاصلة بينهم , وعندما يتناقشون الرجال حول المشكلة التي أمامهم يكون مايكل جالسا مرتاحا بكرسيه واثقا من نفسه ( بدأ يتعود على طريقة أبيه ) وعندها يقول كلمته الشهيرة مع اقتراب جميل من كاميرا كوبولا ( يريدون الاجتماع بي , أليس كذلك ؟ إذا سأكون أنا و ماكلوسكي و سولوزو , لنرتب لهذا الاجتماع , أبلغوا عملائنا ليعرفوا مكان الاجتماع ولنصر بأن يكون في مكان عام مثل حانة أو مطعم لأشعر بالأمان , سيفتشونني , أليس كذلك ؟ ... لذا لن أكون مسلحا , ولكن إن استطاع كليمانزا أيجاد طريقة لدس المسدس في مكان ما ... عندها سأقتلهما معا ) . هو تحول كبير ومهم , مايكل يعرف أنه ليس بعد ذلك عودة , هنالك خطوط حمراء من تعداها لا يستطيع العودة بعدها إلى ما كان عليه بالسابق . هاهو مايكل يعلن دخوله رسميا في أعمال عائلته الإجرامية بعد أن خطط لقتل سولوزو وحارسه الشخصي . مايكل الشاب الوسيم العائد من حرب العالمية الثانية ونظيف السجل أحس بنقص النظام لحمايته وذلك بعد لكم الشرطي له , الشرطة من المفترض أن تحميه من العصابات لا أن تحمي العصابات منه , هي رسالة عظيمة أخرى يوجهها العراب للحكومات بأن جميع والمساكين والمهاجرين الضعفاء تحولوا لزعماء ورؤساء لمؤسسات ومنظمات إجرامية لأن القانون لم يستطيع حمايتهم في البداية فاضطروا بعدها بحماية أنفسهم بأنفسهم , هذه الرسالة ستتكرر مرة أخرى في الجزء الثاني من هذا الفيلم العظيم . يقوم مايكل بقتل الشرطي والتركي بمشهد عظيم أظهره لنا العبقري كوبولا بكل عبقرية وأداه الممثل المغمور آل باتشينو وقتئذ بإبداع يهاب أن يصل إليه كبار النجوم بهوليوود , وجه آل باتشينو المنتفخ جراء ضربة الشرطي ماكلوسكي له يكاد أن ينفجر من الهم المقبل عليه , هو يعرف انه لن يعود بعد هذا اللقاء كما كان بالسابق وبنفس الوقت يحترق من الداخل على الوغدين الجالسين أمامه بعد محاولتهما لقتل أبيه ثم تناول الطعام معه , أنها الأعمال التي لا ترحم لكن عليه أن ينتظر اللحظة المناسبة , تصوير كوبولا لوجه مايكل وهو يكاد أن ينفجر من الهموم التي بداخله هي ضربة قاضية لجميع أشباه المخرجين , انه الإبداع بعينه , كم شاهدنا فيلم يقوم البطل بقتل العشرات بدون أن يرف له جفن ؟ ... هي واقعية الإخراج والتمثيل الذين ظهرا لنا بعد سقوط أسوأ نظام سينمائي على وجه الأرض ( نظام الاستديو ) . بعد أن قام مايكل بعمله يهرب إلى صقلية لئلا يلحقه أذى من الشرطة بعد أن قتل ضابطهم , هناك يشاهد تاريخ عائلته ويشاهد القيم التي تدافع عنها , هناك ينشأ بنفسه اعتزاز واحترام لتلك القيم , لعائلته التي كان يخفي اعتزازه بالسابق بها حتى عن نفسه , الآن جاء الوقت ليظهر هذا الاعتزاز , ويظهر احترامه لقيم عائلته , وقوانينها . في صقلية زرعت أول البذور في قلب مايكل لصناعته من أجل الإمساك بزمام عائلته وقيادتها بعد تقاعد العراب الأصلي .
آل باتشينو في أول أدواره العظيمة يقدم أداءاً يقارع به كبار ممثلي هوليوود . آل بكل بساطة لا يعرف إلا أن يظهر عظيما أمام مشاهديه . يملك وسامة وجمالا شكلا وأداء يجعلك تتمنى أنه يبقى أمام ناظريك طوال الوقت . هناك الكثير ممن يقولون أن آل باتشينو لا يجيد إلا الصراخ , بصراحة لا أدري أن كان هؤلاء شاهدوا الجانب الآخر من أداء باتشينو , أداءه بفيلمه الرائع للغاية ( أرق ) جعلني أحس بأني لم انم منذ أسابيع , هذا هو الإبداع , هذا هو الأداء الواقعي الذي بدأه عرابه ومدرسه الأول مارلون براندو . فرانسيس فورد كوبولا قاتل من أجل أن يقوم آل باتشينو بدور مايكل رغم أن الدور عرض على ممثلين كانوا أشهر من آل في ذلك الوقت , مثل ( داستن هوفمان ) و ( روبرت ريدفورد ) و ( جاك نيكلسون ) , ولكن كوبولا قام بالتوسل للشركة من أجل أن يعطوا آل باتشينو فرصة لإثبات نفسه , العجيب بالأمر أن باتشينو نفسه لم يكن يريد الدور فهو كان يبحث عن الأدوار الكوميدية - اعتقادا منه أن الشخصية الشريرة يكرهها الجمهور – ولكن عندما رأى أن الجميع رفضه قبل الدور ودخل الأستوديو وهو غير راض عن الدور , وبالرغم من ذلك ترشح لدور أفضل ممثل مساعد عن أدائه بالفيلم , وجعله يعرف كيف يختار أدواره بالمستقبل , كما أن دوره بهذا الفيلم يعتبر الأشهر له - ليس الأفضل ( شاهد عطر امرأة ) - . هذه القصة تثبت لنا بعد النظر الموجود لدى المخرج العظيم فرانسيس فورد كوبولا ومدى صدق نبوءته حول نجومية آل باتشينو . على جميع المعجبين بآل باتشينو أن يشكروه , لأنه مكتشفه .
فرانسيس فورد كوبولا يتفوق على نفسه بهذا الفيلم . هو أفضل مخرج برأيي قدم الحقائق مع الدراما , لا أتذكر أني شاهدت فيلما بهذا الإتقان والدقة , حتى أفلام كوبريك وأفلام سكورسيزي لم تصل إلى مستوى هذه الدقة والإتقان بالرغم أني أفضلهما على كوبولا , لهذا أضع أنا هذا الفيلم مع الجزء الثاني منه في المرتبة الأولى في قائمتي تأكيدا على عظمتهما . كوبولا الذي يعلن في كل مرة يظهر بها على التلفزيون مدى كرهه لهذا الفيلم فهو يذكره بأيام الذل و الإهانة لا يستطيع أن ينكر ولو للحظة أن هذا الفيلم هو سبب شهرته وسبب فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل مخرج , العراب لم يرحم أيا من طاقم عمله بدءاً من الشركة المنتجة وحتى آخر شخص مهم في طاقم العمل ولكنه منحهم الخلود السينمائي . بداية الفيلم تظهر لنا مدى عبقرية كوبولا في استقصاء شخصيات فيلمه ووضعها في مكان واحد . استخدم كوبولا في الفيلم الـ ZOOM ببعض اللقطات المعينة والتي تكون منعطف مهم في أحداث الفيلم والشخصيات . دائما ما يقوم كوبولا بتطويل المشهد وتصويره بأكثر من زاوية لمنح المشهد عمقا , وقد يكون مشهد المستشفى عندما مايكل يحمي أبيه هو مثال واضح . كوبولا كـ غيره من المخرجين العظماء يهتم بتفاصيل أفلامه وهاهو هنا في أول أفلامه المهمة يظهر ثقة المخرج الخبير في الإلمام بتفاصيل فيلمه - ربما يذكر البعض بالمخرج أورسون ويلز في تحفته الشهيرة ( المواطن كين ) - , في هذا الفيلم ستشاهد في كل زاوية , في كل جملة , في كل حركة , حتى في الديكور والملابس ... لمسة أبداع من فرانسيس فورد كوبولا . هناك شيء تتميز به أفلام كوبولا العظيمة عن غيرها , ألا وهو عظمة الحوارات ... في العراب ( الجزء الأول , الثاني والثالث ) والفيلم الحربي ( القيامة الآن ) وفيلم الجاسوسية العظيم ( المحادثة )هناك جمل عظيمة , وعبارات خالدة , وأعتقد أن أكثرها شهرة لدى الجميع بهذا الفيلم ( سأقدم له عرضا لن يستطيع رفضه ) , ( لا تفصح بأفكارك لشخص خارج العائلة ) , ( فريدو , لا تنحاز ضد عائلتك مع شخص آخر , أبدا ) و ( لا تسأليني عن أعمالي يا كاي ) , هي في الحقيقة قوانين عصابات المافيا أكثر منها جمل منمقة مصفوفة في فيلم ما , وهذا ما يجعل العراب فيلم شاعري يحلق بأجنحة سوداوية حول العالم واضعا هذه القوانين أمام المشاهد ليفكر بعقله ويربط واقعه بما يشاهده , هذا السبب هو الذي جعلني أهيم عشقا بهذه الرائعة التي نسجتها لنا أيادي إيطالية على الطريقة الأمريكية بأسلوب شكسبيري .
الفيلم حصل على عشر ترشيحات بالأوسكار فاز منها بثلاث ( أفضل فيلم , أفضل ممثل , أفضل سيناريو مقتبس ) كما حصل الفيلم على ثلاث ترشيحات في فئة أفضل ممثل مساعد وهي لكل من ( آل باتشينو , روبرت دوفال , جيمس كان ) . جيمس كان شاهدت له بعض الأفلام وبصراحة أنا أرى دوره هنا هو الأفضل له , رغم أنه قال أنه تضايق من الدور كثيراً لأن به شتم كثير وهو أمر لا يفضله كثيرا - كما يقول - . قد يكون أعنف مشهد بالعراب هو مشهد اغتيال سانتينو , ذلك المشهد الذي يقربنا من المافيا بشكل كبير ومقزز يرينا مقدرة الممثل على تقديم مشاهد كهذه بواقعية وهو أمر يصب بصالح جيمس كان , طريقة موت سانتينو ترينا كيف أنه شكل مشكلة للعائلات الأخرى وأنهم كانوا يريدون التخلص منه مهما كان الثمن . سانتينو هو ابن الدون البكر ولكنه أبعد أولاده عنه , لتهوره وطيشه وتحكيم عاطفته على عقله بعكس أبيه وأخيه الصغير مايكل . جيمس كان أدى الدور ببراعة فائقة حتى أنك تخاف منه وهو خلف الشاشة لغضبه وتهوره وطيشه . الأمر العظيم بالعراب هو أنك عندما تبحث في حقيقة وشكليات شخصياته تراها موجودة أمامك في المجتمع بل حتى في العائلة الواحدة , كم عائلة يوجد لديها سانتينو ؟ كثير جدا .
بالإضافة إلى الأداء الرائع والإخراج المتميز والإخراج الفني الدقيق ( حيث نقل جميع تفاصيل الأربعينات بدأً من البيوت والسيارات وانتهاءً بالملابس وطريقة الكلام وحتى الأكل ) وانتهاءً بالموسيقى الشاعرية الهائمة بأجواء صقلية وحياة صقلية وشعب صقلية , فرانسيس فورد كوبولا سافر لإيطاليا من أجل الموسيقار الإيطالي ( نينو ريتا ) من أجل أن يضع لحن من أشهر الألحان في تاريخ الأفلام , الجميع بالتأكيد سمعها ولكن البعض فقط يعلم أنها للعراب . فرانسيس فورد كوبولا صنع المعجزة واستطاع أن يقنع الجمهور قبل النقاد بأن المبدعين ليس شرطا بأن يكونوا كبارا ليبدعوا , جميع من عمل بهذا الفيلم كان مغمورا - باستثناء مارلون براندو - , كانوا ينتظرون الفرصة فقط للظهور , ينتظرون الرجل المناسب والفيلم المناسب لاكتشاف مواهبهم , الرجل كان فرانسيس فورد كوبولا والفيلم هو ( العراب ) .
فيلم العراب غير تاريخ السينما الأمريكية وطريقتها للأبد , أصبح تأريخا مهما لأفلام الجريمة . كوبولا وطاقمه فتحوا الباب لأفلام أخرى قدمت وحاولت أن تقدم ما قدم العراب ولكنها لم تستطع مجاراته في عظمته والأفلام كثيرة جدا , منها ( عبور غابة ميليرز ) و ( كازينو ) و ( عصابات نيويورك ) و ( رفقة طيبون ) والذي يعتبر اقترب من العراب قليلا بقيادة المخرج المجنون سكورسيزي وتمثيل العبقري ( روبرت دي نيرو ) وفيلم آل باتشينو الشهير ( الوجه ذو الندبة ) وأغلب أفلام سيد الجريمة كوانتين تارنتينو , من جهة أخرى ظهرت أفلام تحاول السخرية والضحك من فيلم العراب ومن أفلام الجريمة بشكل عام منها فيلم ستالوني ( أوسكار ) و ( مافيا ) و ( الابن الروحي ) , ولكن أيا من هذه الأفلام لم تحرك شيئا بالعراب , فهو لا يزال عظيما فتيا مقاوما للزمن وللصدأ مهما طال الزمن , لأنه مصنوع بطريقة لم تكن موجودة من قبل في السينما , طريقة أحدثها الشبان يملكون فكرا ثاقبا وثقافة عالية وفهم للفيلم وطبيعة عمله . هذا هو العراب بصناعته يفخر بالشباب وبفكره ينادي بعائلة مثالية متماسكة من الداخل كـ عائلة ... ( آل كورليون ) .
Tidus
لم يتجرأ أحد على مجابهة رجال المافيا أو محاولة التصدي لهم حتى الحكومات نفسها لم تستطع ذلك , وذلك لأنها تملك العديد من القوانين الموجودة لدى الحكومات الأمر الذي أبقاها سنين عديدة مقاومة لتغيرات الزمان والمكان و القوى البشرية فتنقلت ما بين ايطاليا و أمريكا بدون أن يوقفها أحد ...... لا الحكومة الإيطالية أو الحكومة الأمريكية مما جعلها أحد أعتى المنظمات السرية التي واجهها العالم , ومما جعل امر اختراق هذه المنظمات أمرا مستحيلا هو الغموض و تكتم أفرادها عليها وعلى قوانينها الأمر الذي جعل اقتحام عالمها أمر مثيرا ومشوقا ومخيف بنفس الوقت . وكما هو حال السينما في محاولة تقصي الأمور الخفية والتي لا يطلع عليها العامة من الناس في وسائل الأعلام المقروءة والمسموعة - الأمر الذي يجعلها فنا عظيما - حاولت الاختلاس إلى عالم المافيا منذ أيام الاستديو - تقريبا في الثلاثينات - من خلال أفلام لم يكن لها نجاح كبير كان من بينها فيلم اسمه ( الوجه ذو الندبة ) والذي أعاد أحياءه آل باتشينو تمثيلا مع ألوفير ستون كتابة و براين دي بالما اخراجا وجاءت محاولات باهتة أظهرت أن رجال المافيا لا هم لهم سوى القتل والتلاعب بالأموال ولم تكن بالمستوى الذي يريده الجمهور كان هذا الأمر حتى سقوط نظام الاستديو وظهور سينما المؤلف في السينما الأمريكية ونقلت ايطاليا العديد من نجومها الكبار إلى أمريكا - أرض الفرص في ذاك الوقت - وكان من أولئك العباقرة رجل يقال له فرانسيس فورد كوبولا . في ذلك الحين كان هناك رواية عظيمة تتكلم عن المافيا وأسرارهم العجيبة من تأليف كاتب مغمور في ذلك الوقت اسمه ماريو بوزو و كانت قد حققت نجاح هائل سواء من ثناء نقاد أو من ناحية المبيعات الهائلة , من هذين الرجلين تحققت المعجزة , وصنع أفضل فيلم يتكلم عن عالم المافيا والمنظمات السرية بطريقة عقلانية ..... هو فيلم ( العراب ) كما هو اسم الرواية و كانت سنة إنتاجه في عام 1972 للميلاد .
البداية ... خوف وتردد
كانت شركة بارامونت التي اشترت حقوق رواية العراب من أجل تحويلها الى فيلم ترتعد فرائصها من فشل ذريع سواء على الصعيد النقدي والفني أو فشل تجاري مؤكد , إذ لم يحاول أحد من قبل اقتحام عالم المافيا إلا وفشل بذلك و لم يحقق غايته . إن شراء بارامونت لحقوق رواية العراب و التي حققت رواجا كبيرا في ذلك الوقت تطمع بأن يخرج الفيلم مخرج من أكابر المخرجين الموجودين في هوليوود , و لكن من المخرج الغبي الذي يمكن يضحي بتاريخه الفني من أجل رواية كتب لها الحظ ونجحت , بالتأكيد لن يفعلها شخص عاقل و يهتم بسمعته الفنية . في ذلك الوقت وعندما كانت بارامونت تتلقى الرفض من العديد من المخرجين على عملهم الجديد على سبيل المثال ( المخرج الإيطالي الشهير سيرجيو ليوني ) . كان هناك مخرج إيطالي , من أولئك الطليان القادمين من بقعة العباقرة ( إيطاليا ) , مخرج مغمور ليس معروف ... إنه فرانسيس فورد كوبولا .
عندما كلمت الشركة كوبولا كانت تتمنى أن يرفض إخراج الفيلم حتى يتسنى لهم البحث أو ربما يأتيهم مخرج له وزنه وثقله في هوليوود ولكن فرانسيس المغرق بالديون من أخمص قدميه و حتى رأسه وافق على إخراج العمل ليس لأنه مقتنع به ولكن لأنه مجبور عليه وقد كان الأمر صعب جدا عليه خاصة أنه تلقى العديد من التهديدات من قبل رئيس الشركة ستانلي جيف بأن أي خطأ منه سيعرضه إلى الطرد ومن ثم حرمانه من الإخراج إلى الأبد . من الأفعال الحسنة التي فعلها كوبولا بالفيلم هو استبدال كلمة العصابة بالعائلة , الأمر الذي ضرب ضربته في الفيلم . من الأمور التي زادت من حنق ستانلي على كوبولا هو طلب الأخير و إصراره بأن يقوم بدور البطولة الممثل العالمي والحائز على جائزة الأوسكار مارلون براندو , فمن ناحية كان صعبا جدا أن يجعلون ممثلا كبيرا كـ براندو يقوم بدور البطولة والتضحية بتاريخه الفني ومن ناحية أخرى لم يكن جيف يريد براندو بالأساس في الفيلم . ولكن إصرار كوبولا الشديد جعله يوافق بشرط أنه إذا أخطأ هو أو براندو فسيطرد هما سويا . مارلون براندو وافق على الدور الذي رفضه العديد من الممثلين الكبار والذين عرض عليهم قبله منهم على سبيل المثال ( الممثل البريطاني الشهير لورانس أوليفير ) . موافقة براندو هي ضربة قوية في مستقبل الفيلم والذي كان مهددا وبشكل كبير , نجم كبير مثل براندو لا يأتي على دور مثل دوره في الفيلم وهو يعرف أن الفيلم سيخسر ( ممثلين كـ براندو يملكون حاسة سادسة في اقتناص الأدوار التي توصلهم إلى الشهرة ويعرفون كيف يغتنمون هذه الفرص جيدا ) . كان اختيار المخرج و الممثل الرئيسي هي أصعب مهمة في اختيار الطاقم وبعد أن توفرا الشخصين الملائمين , كان لزاما عليهم المضي بالبحث في اختيار بقية طاقم العمل من ممثلين ومنفذين الأزياء والديكور والموسيقى حتى اكتمل الطاقم المناسب والذي أطلق عليه فيما بعد وبعد عشرات السنين لقب ( أفضل طاقم عمل في تاريخ الأفلام )
الجزء الأول : - تحول في تاريخ السينما .. الأمريكية.
السحر الموجود في العراب هو سحر مبين وواضح ولكنك عندما تحاول اكتشافه واستخراجه فأنه يتلاشى من أمامك كالسراب . هو أمر يكمن به لا نراه ولا نسمعه ولكننا بالتأكيد نحس به , شعور يدغدغ مشاعرنا خفية ويلامس أشياء موجودة لدينا في الواقع لم نكن نعرف كيفية وقوعها أو طريقة حدوثها ولكنها تحصل و نحن نعرف ذلك دون أن نعترف بذلك لبعضنا البعض. من الأخطاء الموجودة لدينا هو أننا نشاهد فيلم العراب على أساس أنه فيلم عصابات بحت , فيلم العراب في الحقيقة أكبر من أن يكون فيلم عصابات هو يتكلم عن عالم لا يحكمه إلا العصابات تختلف تسمياتها من قطر إلى قطر فمن الرأسمالية إلى الشيوعية ومن مجلس الأمة إلى مجلس الشعب ومن حكم ملكي وراثي إلى أكذوبة انتخابات , إذا رأينا الفيلم من هذه الناحية سنرى أن الفيلم تعدى الآفاق و حلق بأجنحة شاعرية سوداوية حول العالم ولم يقبع في حي قذر في أحد الأحياء الإيطالية في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية . هذا ما أراده كوبولا عندما طلب من شركة بارامونت زيادة الميزانية لتصل إلى ستة ملايين دولار من أجل تحويل الفيلم إلى عصر الأربعينات ويكون الفيلم أقل شعبية بدلا من أن يكون أكثر شعبية في وقت السبعينات .
كوبولا وفي أول أفلامه المهمة يقوم برسم العائلة الإيطالية المثالية أو التي يجب أن تكون عليه العائلات من الاهتمام بالعائلة قبل الذات والاهتمام بالمجوعة قبل الفرد وهو بهذه الطريقة يقدم ضربة قوية بوجه العائلة الأمريكية والتي دائما ما تكون متفككة من الداخل . هذه الصورة الجميلة والتي تعلق في مكتب رئيس العائلة يوضع خلفها خزينة مليئة بالأسرار المخيفة من جرائم قتل واغتيالات وحروب شوارع واستيلاء على أملاك الغير , هذه الصورة الجميلة التقطت في حفلة زواج حضره العديد من كبار الرجال ونخبة المجتمع وهي تمثل عائلة .... ( آل كورليون ) .
الحفلة هي زواج ابنة الدون فيتو كورليون ( مارلون براندو ) المدللة كوني ( تاليا شير) من كارلو ( جياني روسو ) . في هذه الحفلة والتي استغرقت تقريبا ثلث ساعة تقريبا قام كوبولا بشكل احترافي بتقديمنا إلى الشخصيات الرئيسة والثانوية في الفيلم . فمن محامي العائلة اللبق توم هايغن ( روبرت دوفال ) إلى ابن الدون البكر المتعجرف والمتهور بتصرفاته وأفعاله سانتينو ( جيمس كان ) ومن زوجة الدون البشوشة و باسمة المحيا والمطيعة زوجها فيما يقول ويفعل إلى ضيوف الدون في حفلة زواج ابنته وحتى رجال الـ FBI الذين أتوا للحفلة من اجل تسجيل أرقام السيارات الموجودة في الحفلة لمراقبتها في ما بعد , يعلق سانتينو على ما يفعلونه ( اللعنة على رجال المباحث , لا يحترمون شيئا ) , ومن ابن الدون الأوسط فريدو ( جون كازال ) ضعيف الشخصية والذي كان سكران في تلك الحفلة إلى ابن الدون الأصغر مايكل ( آل باتشينو ) المبتعد عن أعمال عائلته الإجرامية والسيئة مصطحبا معه صديقته الأمريكية كاي ( دايان كيتون ) وانتهاءاً بالدون نفسه فيتو كورليون .
يبتدأ الفيلم بمقولة ( أنا أؤمن بأمريكا ) ويا لها من بداية . يقولها بوناسيرا ( سلفاتيور كوريستو ) الذي يعمل كـ حانوتي يجهز التوابيت للموتى , يستطرد بوناسيرا كلامه عارضا مشكلته أمام الدون كورليون الذي يجلس مرتاحا خلف مكتبه ويحمل في حضنه قطة يداعبها في منظر يوحي بالهيبة والإجلال . مشكلة بوناسيرا أن ابنته الوحيدة استدرجها شاب طائش وراودها عن نفسها ولكنها عندما رفضت ضربها ضربا مبرحا دخلت على أثره المستشفى , ( كأي مواطن صالح ذهبت إلى الشرطة لتقديم شكوى ضد الشاب ) وبالطبع مشكلته لم تحل لأن المحكمة أمرت بسجن الشاب مع صديقه الذي ساعده في ضرب الفتاة مع وقف التنفيذ , لذا خرج الشاب مع زميله وابتسامة كبيرة مرتسمة على محياهما . الدون الذي لم تظهر منه أي مشاعر إنسانية حول هذه القصة المؤلمة بطريقة ترينا كم هو قاسي هذا الرجل في عمله , لا يرحم الذين يطلبون المساعدة منه , يذلهم , يجعلهم يشعرونه بأنهم بحاجة له , بأنه عرابهم , يفاجأ بوناسيرا بسؤال لم يتوقعه الأخير و لا المشاهدين! ( لماذا ذهبت إلى الشرطة بالأول ؟ لماذا لم تأتي إلى بالبداية ) فعلا هو حكومة لوحده , يصدر الحكم بالقتل و هو يحتفل بزواج ابنته , يرفض الدون مساعدته ولكن يصر بوناسيرا عليه ويهينه بغير قصد بمحاولة إغراءه بالمال فينهض الدون ويعطي بوناسيرا ظهره ويقول الجملة الشهيرة ( بوناسيرا ... بوناسيرا , ما الذي فعلته ليجعلك تعاملني بقلة احترام هكذا ؟.. إن كنت قدمت لي بصداقة، فهذا الوغد سينال عقابه هذا اليوم، و إن شخص شريف مثلك عندما يكون لديه أعداء... سيكونون أعدائي أيضا ، وعندها سيخافونك ) , يقبل بوناسيرا بأن يكون صديقا للدون وأن يكون عليه دين له يجب أن يدفعه له متى ما طلب الدون منه ذلك ويقبل يده و يناديه بـ ( العراب ) , بعد موافقة الدون على العملية يوصي محامي العائلة توم هايغين بأن يمنح هذه المهمة لــ كليمينزا ( ريتشارد كاستيلانو ) . بـ ستة دقائق فقط , من الجمال التصويري , من الأداء السهل الممتنع , من الإخراج المميز ومن الحوار العميق الدقيق يقدم لنا كوبولا لمحة ... مجرد لمحة عن طريقة تنفيذ وتقبل أو رفض المهمات من قبل زعماء المافيا . هذا المشهد يعد من أكثر المشاهد الافتتاحيات عمقا و جمالا .
النجم الحائز على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل مرتين ( أحداهما كانت على هذا الفيلم , ولكنه رفضها بإرسال ممثلة غير معروفة على أنها هندية وتكلمت باسم براندو بأنه يرفض الجائزة من أجل أن أمريكا وهوليوود يسيئان للهنود الحمر ) مارلون براندو قدم وبكل بساطة أعظم أدواره في تاريخ مشواره الفني الحافل بالإنجازات والروائع , رغم قصر دوره بالفيلم ( نصف ساعة تقريبا من ثلاث ساعات ) إلا أنك تحس بوجوده في كل مشاهد الفيلم وتحس بسيطرته على عائلته وحمايته لهم حتى وهو مريض . دوره تقريبا - في قوته وسيطرته على أجواء الفيلم - مشابه لدوره الآخر في الفيلم العظيم والغير مقدر ( القيامة الآن ) - والعجيب أن مخرج كلا الفيلمان هو فرانسيس فورد كوبولا - كما هنالك أيضا دور مشابه له هو دور الممثل البريطاني الشهير أنتوني هوبكنز في تحفته الخالدة ( صمت الحملان ) . مارلون براندو قدم شخصية رجل العصابة والقائد الذكي بكل تفاني وثقة بالنفس , ربما ثقة لا يملكها جميع الممثلين العاملين بـ هوليوود , ثقته تتمحور حول استطاعته تقمص شخصية رجل في السبعينات من عمره يملك الكثير من الذكاء والحنكة والقسوة وبنفس الوقت الحب والاحترام والتفاني في خدمة عائلته وحماية أولاده , تبدو هذه الصفات ليست بالصعبة خاصة على ممثل بحجم براندو ... ولكن لنعي بأن عمر مارلون براندو في ذلك الوقت لايتعدى الأربعينات , هنا يكمن التحدي , هنا يكمن بعد النظر في الممثل , هنا يميز المبدع من المزيف , هنا تكمن عبقرية التمثيل في نجم بحجم براندو . براندو أقدم على محاولة في تعزيز قوة وهيمنة مدرسته الأسلوبية - التي ابتدأها برائعته ( عربة اسمها الرغبة ) - ألا وهي تغيير وجهه ليبدو كـ كلب ( البول دوغ ) بإضافة القطن على جانبي فكيه , وقام كذلك بحشو ملابسه من الداخل من جهة بطنه ليبدو سمينا , لم يتوقف براندو عند هذا الحد بل زاد على ذلك تغيير صوته إلى صوت هادئ أجش تبدو الثقة والهيبة على ناطقه . مارلون براندو يعرف وهو النجم الشهير العظيم أن هذا الدور الصغير نسبيا والسيئ السمعة سيقدم له الكثير , ربما أكثر مما فعله بحياته كلها , هنا تكمن العبقرية والممثل المبدع من المزيف . شخصية الدون فيتو كورليون أصبحت مثالا على رئيس العصابة والعراب في المافيا , أصبحت قدوة يقلدها الصغير قبل الكبير بأفعالها , بأقوالها , بتفكيرها المنطقي , حتى بطريقة كلامها الهادئة والواثقة , أنها أسطورة من توقيع النجم الراحل مارلون براندو .
يدخل في عالم العصابات رجل اسمه سولوزو ويلقب بـ ( التركي )( إل تيري ) تاجر مخدرات , يجيد استخدام السكين , يحتاج إلى من يحميه من الشرطة ليشتد عوده ويقيم تجارته في نيويورك , ومن أين له حماية من غير الدون كورليون الذي يسيطر على القضاة والشرطة في نيويورك ويوفرها لمن يريد ويمنعها عمن يريد . محامي العائلة المتسرع دائما في آرائه والبعيد عن الدموية توم هايغين وابن الدون البكر سانتينو كانا متحمسين جدا لعرض سولوزو , إذ أن المخدرات بها الربح السريع والنعيم الدائم , ولكن الدون بحنكته وخبرته عرف إن المخدرات ستدمر عائلته , ربما ليس الآن ولكن بعد عشر سنين , وهذه رسالة عظيمة من العراب لجميع العصابات التي تتعامل بالمخدرات بأنهم لا يقتلون إلا أولادهم ولا يربحون إلا حسرة وندما وحربا وتشتت ودمار لهم ولغيرهم . الدون رفض العرض بحجة أنه لن يكون له أصدقاء إذا قام بالمتاجرة بالمخدرات , لم يكن هذا السبب ليقنع التركي الذي كانت تحميه عائلات نيويورك الخمسة باستثناء عائلة كورليون , لذلك قرر تصفية الدون من أجل أن يعقد صفقة سانتينو ابنه الذي كان متحمسا للعرض , كان ذلك بالاتفاق مع سائق الدون الجشع والذي ادعى المرض الأمر الذي انطلى على ابن الدون الغبي الأوسط فريدو فكانت النتيجة , خمسة طلقات نارية بظهر الدون دون أن يحرك ابنه شيئا في مشهد مخزي ومحزن للغاية . الدون لم يمت بطريقة عجيبة للغاية , ولكنه أصيب بجروح خطيرة نوم على أثرها بالمستشفى , ابنه الأصغر مايكل كان يتسكع مع صديقته كاي عندما تلقى الخبر الموجع رجع للبيت وهموم الدنيا كلها على رأسه , في ذلك المشهد نرى أهمية الدون فيتو بالنسبة لأولاده وعائلته , نرى أهمية بقائه حيا لهم . عندها يقوم مايكل بالولوج إلى عالم العصابات الذي كان يرفضه من عائلته ( تلك هي عائلتي كاي , أنا مختلف ) . يتأكد دخوله بعد أن يقوم شرطي ماكلوسكي ( ستارلينغ هايدين ) قام سولوزو برشوته بضربه على فكه عندما كان يحرس أبيه بالمستشفى وذلك عندما أخلى الشرطي جميع الحرس ليتأكد من عدم وجود شهود على موت الدون .
هنالك مشهد رائع يمثل نقطة التحول في شخصية مايكل كورليون وذلك بعد أن قام الشرطي بلكمه على فمه , وبعد تلك الحادثة بيوم يقوم التركي بكل وقاحة مع حارسه الشخصي الشرطي بدعوة مايكل للتفاهم معهم حول المشكلة الحاصلة بينهم , وعندما يتناقشون الرجال حول المشكلة التي أمامهم يكون مايكل جالسا مرتاحا بكرسيه واثقا من نفسه ( بدأ يتعود على طريقة أبيه ) وعندها يقول كلمته الشهيرة مع اقتراب جميل من كاميرا كوبولا ( يريدون الاجتماع بي , أليس كذلك ؟ إذا سأكون أنا و ماكلوسكي و سولوزو , لنرتب لهذا الاجتماع , أبلغوا عملائنا ليعرفوا مكان الاجتماع ولنصر بأن يكون في مكان عام مثل حانة أو مطعم لأشعر بالأمان , سيفتشونني , أليس كذلك ؟ ... لذا لن أكون مسلحا , ولكن إن استطاع كليمانزا أيجاد طريقة لدس المسدس في مكان ما ... عندها سأقتلهما معا ) . هو تحول كبير ومهم , مايكل يعرف أنه ليس بعد ذلك عودة , هنالك خطوط حمراء من تعداها لا يستطيع العودة بعدها إلى ما كان عليه بالسابق . هاهو مايكل يعلن دخوله رسميا في أعمال عائلته الإجرامية بعد أن خطط لقتل سولوزو وحارسه الشخصي . مايكل الشاب الوسيم العائد من حرب العالمية الثانية ونظيف السجل أحس بنقص النظام لحمايته وذلك بعد لكم الشرطي له , الشرطة من المفترض أن تحميه من العصابات لا أن تحمي العصابات منه , هي رسالة عظيمة أخرى يوجهها العراب للحكومات بأن جميع والمساكين والمهاجرين الضعفاء تحولوا لزعماء ورؤساء لمؤسسات ومنظمات إجرامية لأن القانون لم يستطيع حمايتهم في البداية فاضطروا بعدها بحماية أنفسهم بأنفسهم , هذه الرسالة ستتكرر مرة أخرى في الجزء الثاني من هذا الفيلم العظيم . يقوم مايكل بقتل الشرطي والتركي بمشهد عظيم أظهره لنا العبقري كوبولا بكل عبقرية وأداه الممثل المغمور آل باتشينو وقتئذ بإبداع يهاب أن يصل إليه كبار النجوم بهوليوود , وجه آل باتشينو المنتفخ جراء ضربة الشرطي ماكلوسكي له يكاد أن ينفجر من الهم المقبل عليه , هو يعرف انه لن يعود بعد هذا اللقاء كما كان بالسابق وبنفس الوقت يحترق من الداخل على الوغدين الجالسين أمامه بعد محاولتهما لقتل أبيه ثم تناول الطعام معه , أنها الأعمال التي لا ترحم لكن عليه أن ينتظر اللحظة المناسبة , تصوير كوبولا لوجه مايكل وهو يكاد أن ينفجر من الهموم التي بداخله هي ضربة قاضية لجميع أشباه المخرجين , انه الإبداع بعينه , كم شاهدنا فيلم يقوم البطل بقتل العشرات بدون أن يرف له جفن ؟ ... هي واقعية الإخراج والتمثيل الذين ظهرا لنا بعد سقوط أسوأ نظام سينمائي على وجه الأرض ( نظام الاستديو ) . بعد أن قام مايكل بعمله يهرب إلى صقلية لئلا يلحقه أذى من الشرطة بعد أن قتل ضابطهم , هناك يشاهد تاريخ عائلته ويشاهد القيم التي تدافع عنها , هناك ينشأ بنفسه اعتزاز واحترام لتلك القيم , لعائلته التي كان يخفي اعتزازه بالسابق بها حتى عن نفسه , الآن جاء الوقت ليظهر هذا الاعتزاز , ويظهر احترامه لقيم عائلته , وقوانينها . في صقلية زرعت أول البذور في قلب مايكل لصناعته من أجل الإمساك بزمام عائلته وقيادتها بعد تقاعد العراب الأصلي .
آل باتشينو في أول أدواره العظيمة يقدم أداءاً يقارع به كبار ممثلي هوليوود . آل بكل بساطة لا يعرف إلا أن يظهر عظيما أمام مشاهديه . يملك وسامة وجمالا شكلا وأداء يجعلك تتمنى أنه يبقى أمام ناظريك طوال الوقت . هناك الكثير ممن يقولون أن آل باتشينو لا يجيد إلا الصراخ , بصراحة لا أدري أن كان هؤلاء شاهدوا الجانب الآخر من أداء باتشينو , أداءه بفيلمه الرائع للغاية ( أرق ) جعلني أحس بأني لم انم منذ أسابيع , هذا هو الإبداع , هذا هو الأداء الواقعي الذي بدأه عرابه ومدرسه الأول مارلون براندو . فرانسيس فورد كوبولا قاتل من أجل أن يقوم آل باتشينو بدور مايكل رغم أن الدور عرض على ممثلين كانوا أشهر من آل في ذلك الوقت , مثل ( داستن هوفمان ) و ( روبرت ريدفورد ) و ( جاك نيكلسون ) , ولكن كوبولا قام بالتوسل للشركة من أجل أن يعطوا آل باتشينو فرصة لإثبات نفسه , العجيب بالأمر أن باتشينو نفسه لم يكن يريد الدور فهو كان يبحث عن الأدوار الكوميدية - اعتقادا منه أن الشخصية الشريرة يكرهها الجمهور – ولكن عندما رأى أن الجميع رفضه قبل الدور ودخل الأستوديو وهو غير راض عن الدور , وبالرغم من ذلك ترشح لدور أفضل ممثل مساعد عن أدائه بالفيلم , وجعله يعرف كيف يختار أدواره بالمستقبل , كما أن دوره بهذا الفيلم يعتبر الأشهر له - ليس الأفضل ( شاهد عطر امرأة ) - . هذه القصة تثبت لنا بعد النظر الموجود لدى المخرج العظيم فرانسيس فورد كوبولا ومدى صدق نبوءته حول نجومية آل باتشينو . على جميع المعجبين بآل باتشينو أن يشكروه , لأنه مكتشفه .
فرانسيس فورد كوبولا يتفوق على نفسه بهذا الفيلم . هو أفضل مخرج برأيي قدم الحقائق مع الدراما , لا أتذكر أني شاهدت فيلما بهذا الإتقان والدقة , حتى أفلام كوبريك وأفلام سكورسيزي لم تصل إلى مستوى هذه الدقة والإتقان بالرغم أني أفضلهما على كوبولا , لهذا أضع أنا هذا الفيلم مع الجزء الثاني منه في المرتبة الأولى في قائمتي تأكيدا على عظمتهما . كوبولا الذي يعلن في كل مرة يظهر بها على التلفزيون مدى كرهه لهذا الفيلم فهو يذكره بأيام الذل و الإهانة لا يستطيع أن ينكر ولو للحظة أن هذا الفيلم هو سبب شهرته وسبب فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل مخرج , العراب لم يرحم أيا من طاقم عمله بدءاً من الشركة المنتجة وحتى آخر شخص مهم في طاقم العمل ولكنه منحهم الخلود السينمائي . بداية الفيلم تظهر لنا مدى عبقرية كوبولا في استقصاء شخصيات فيلمه ووضعها في مكان واحد . استخدم كوبولا في الفيلم الـ ZOOM ببعض اللقطات المعينة والتي تكون منعطف مهم في أحداث الفيلم والشخصيات . دائما ما يقوم كوبولا بتطويل المشهد وتصويره بأكثر من زاوية لمنح المشهد عمقا , وقد يكون مشهد المستشفى عندما مايكل يحمي أبيه هو مثال واضح . كوبولا كـ غيره من المخرجين العظماء يهتم بتفاصيل أفلامه وهاهو هنا في أول أفلامه المهمة يظهر ثقة المخرج الخبير في الإلمام بتفاصيل فيلمه - ربما يذكر البعض بالمخرج أورسون ويلز في تحفته الشهيرة ( المواطن كين ) - , في هذا الفيلم ستشاهد في كل زاوية , في كل جملة , في كل حركة , حتى في الديكور والملابس ... لمسة أبداع من فرانسيس فورد كوبولا . هناك شيء تتميز به أفلام كوبولا العظيمة عن غيرها , ألا وهو عظمة الحوارات ... في العراب ( الجزء الأول , الثاني والثالث ) والفيلم الحربي ( القيامة الآن ) وفيلم الجاسوسية العظيم ( المحادثة )هناك جمل عظيمة , وعبارات خالدة , وأعتقد أن أكثرها شهرة لدى الجميع بهذا الفيلم ( سأقدم له عرضا لن يستطيع رفضه ) , ( لا تفصح بأفكارك لشخص خارج العائلة ) , ( فريدو , لا تنحاز ضد عائلتك مع شخص آخر , أبدا ) و ( لا تسأليني عن أعمالي يا كاي ) , هي في الحقيقة قوانين عصابات المافيا أكثر منها جمل منمقة مصفوفة في فيلم ما , وهذا ما يجعل العراب فيلم شاعري يحلق بأجنحة سوداوية حول العالم واضعا هذه القوانين أمام المشاهد ليفكر بعقله ويربط واقعه بما يشاهده , هذا السبب هو الذي جعلني أهيم عشقا بهذه الرائعة التي نسجتها لنا أيادي إيطالية على الطريقة الأمريكية بأسلوب شكسبيري .
الفيلم حصل على عشر ترشيحات بالأوسكار فاز منها بثلاث ( أفضل فيلم , أفضل ممثل , أفضل سيناريو مقتبس ) كما حصل الفيلم على ثلاث ترشيحات في فئة أفضل ممثل مساعد وهي لكل من ( آل باتشينو , روبرت دوفال , جيمس كان ) . جيمس كان شاهدت له بعض الأفلام وبصراحة أنا أرى دوره هنا هو الأفضل له , رغم أنه قال أنه تضايق من الدور كثيراً لأن به شتم كثير وهو أمر لا يفضله كثيرا - كما يقول - . قد يكون أعنف مشهد بالعراب هو مشهد اغتيال سانتينو , ذلك المشهد الذي يقربنا من المافيا بشكل كبير ومقزز يرينا مقدرة الممثل على تقديم مشاهد كهذه بواقعية وهو أمر يصب بصالح جيمس كان , طريقة موت سانتينو ترينا كيف أنه شكل مشكلة للعائلات الأخرى وأنهم كانوا يريدون التخلص منه مهما كان الثمن . سانتينو هو ابن الدون البكر ولكنه أبعد أولاده عنه , لتهوره وطيشه وتحكيم عاطفته على عقله بعكس أبيه وأخيه الصغير مايكل . جيمس كان أدى الدور ببراعة فائقة حتى أنك تخاف منه وهو خلف الشاشة لغضبه وتهوره وطيشه . الأمر العظيم بالعراب هو أنك عندما تبحث في حقيقة وشكليات شخصياته تراها موجودة أمامك في المجتمع بل حتى في العائلة الواحدة , كم عائلة يوجد لديها سانتينو ؟ كثير جدا .
بالإضافة إلى الأداء الرائع والإخراج المتميز والإخراج الفني الدقيق ( حيث نقل جميع تفاصيل الأربعينات بدأً من البيوت والسيارات وانتهاءً بالملابس وطريقة الكلام وحتى الأكل ) وانتهاءً بالموسيقى الشاعرية الهائمة بأجواء صقلية وحياة صقلية وشعب صقلية , فرانسيس فورد كوبولا سافر لإيطاليا من أجل الموسيقار الإيطالي ( نينو ريتا ) من أجل أن يضع لحن من أشهر الألحان في تاريخ الأفلام , الجميع بالتأكيد سمعها ولكن البعض فقط يعلم أنها للعراب . فرانسيس فورد كوبولا صنع المعجزة واستطاع أن يقنع الجمهور قبل النقاد بأن المبدعين ليس شرطا بأن يكونوا كبارا ليبدعوا , جميع من عمل بهذا الفيلم كان مغمورا - باستثناء مارلون براندو - , كانوا ينتظرون الفرصة فقط للظهور , ينتظرون الرجل المناسب والفيلم المناسب لاكتشاف مواهبهم , الرجل كان فرانسيس فورد كوبولا والفيلم هو ( العراب ) .
فيلم العراب غير تاريخ السينما الأمريكية وطريقتها للأبد , أصبح تأريخا مهما لأفلام الجريمة . كوبولا وطاقمه فتحوا الباب لأفلام أخرى قدمت وحاولت أن تقدم ما قدم العراب ولكنها لم تستطع مجاراته في عظمته والأفلام كثيرة جدا , منها ( عبور غابة ميليرز ) و ( كازينو ) و ( عصابات نيويورك ) و ( رفقة طيبون ) والذي يعتبر اقترب من العراب قليلا بقيادة المخرج المجنون سكورسيزي وتمثيل العبقري ( روبرت دي نيرو ) وفيلم آل باتشينو الشهير ( الوجه ذو الندبة ) وأغلب أفلام سيد الجريمة كوانتين تارنتينو , من جهة أخرى ظهرت أفلام تحاول السخرية والضحك من فيلم العراب ومن أفلام الجريمة بشكل عام منها فيلم ستالوني ( أوسكار ) و ( مافيا ) و ( الابن الروحي ) , ولكن أيا من هذه الأفلام لم تحرك شيئا بالعراب , فهو لا يزال عظيما فتيا مقاوما للزمن وللصدأ مهما طال الزمن , لأنه مصنوع بطريقة لم تكن موجودة من قبل في السينما , طريقة أحدثها الشبان يملكون فكرا ثاقبا وثقافة عالية وفهم للفيلم وطبيعة عمله . هذا هو العراب بصناعته يفخر بالشباب وبفكره ينادي بعائلة مثالية متماسكة من الداخل كـ عائلة ... ( آل كورليون ) .
Tidus